بسم الله الرحمن الرحيم.
مقدمـة :
القيادة ظاهرة طبيعية عرفت منذ القدم وهي نتاج تجمع الكائنات الحية في مجموعات سواء كانت هذه الكائنات بشر أو حيوانات ولأن المجموعات تحتاج في أبسط احتياجاتها إلي النظام والتوجيه وما إلي غير ذلك من الاحتياجات فإنها تبحث عن فرد فيما بينها تكون له صفات سلوكية متفردة قادر على التأثير في المجموعة وتوفير احتياجاتها ففي عالم الحيوان مثلا لا يوجد قطيع إلا وله قائد يقودهم لتوفير احتياجاتهم اليومية من مأكل و مشرب وهو الذي يقودهم في الدفاع عن أنفسهم ضد المخاطر والدخلاء وهذا ينطبق أيضاً على عالم الحشرات التي تعيش في تجمعات أو ممالك مثل مملكة النحل والنمل فالملكة لها دور رئيسي في البذل والعطاء وتنظيم الخلية ولما لهذه الممالك من نظام دقيق في تأدية وجباتهم وأدوارهم إلا أن هذه الأدوار والوجبات سواء أكان دور القائد أو التابعين يؤدى بشكل آلي وغريزي في عالم الحيوانات وعالم الحشرات وهذا يختلف تمام الاختلاف في عالم الإنسان لما لهذا الإنسان من غرائز وانفعالات ودوافع واتجاهات مركبة ومتداخلة مع بعضها البعض يصعب فهمها الأمر الذي أستوجب ظهور عدة دراسات ونظريات تهتم بدراسة ظاهرة القيادة ودراسات أخرى تهتم بدراسة المجموعة (التابعين) وذلك لما لهم من تفاعل وتأثير فيما بينهما وليس هذا فقط بل اهتمت الدراسات بحلقة الوصل ما بين القائد وتابعيه ألا وهي كيفية وطرق الاتصال والإيصال فيما بينهم .
وأخيراً يتضح بأنه لا توجد جماعة إلا ويوجد فيها قائد ولا يوجد قائد إلا وله جماعة ولأن الإنسان من طبيعته العيش في جماعة ولو كانت هذه الجماعة على أضيق نطاق إلا وهي الأسرة لذلك اهتمت الإنسانية منذ بدء التاريخ بعملية القيادة نظراً للدور الكبير والهام الذي يقوم به القائد في تحقيق إنجازات الجماعات والقائد الكفؤ هو الذي يربط بين أعضاء الجماعة ويوجههم وبحفزهم إلي تحقيق الأهداف .
القيــــادة
يعتبر الأفراد أثمن ما في الحضارة الإنسانية لذلك لا توجد مسئولية أهم وأعظم من قيادة الأفراد وتنميتهم فبدون قيادة ذات كفاءة وفاعلية تتحول الجماعات إلي خليط مرتبك من الأفراد والآلات ومن الطبيعي أيضاً بأنه ليس كل فرد من الجماعة قائد أي ليس كل الناس قادة ففي الجماعة يوجد قائد واحد والباقي تابعين وهذا هو الوضع الطبيعي للقيادة ولذلك يهتم الناس بظاهرة القيادة سواء أكانوا علماء أو مديرين أو عاملين أو سياسيين أو رياضيين أو طلبة أو غيرهم من الناس وذلك للعلاقة الوثيقة بين التابعين وقائدهم فالقائد يجب أن يلبي احتياجات تابعيه وتوجيههم بطريقة صحيحة لتحقيق أهدافهم وأهدافه هو الخاصة به وإذا ما وجد تعارض فيما بين أهداف المدير والتابعين فأن ذلك سوف يؤثر بالسلب على المجموعة ككل مما يؤثر على أدائها وقد يصل إلي حد انفراط هذه المجموعة وتشتتها ومن هنا أهتم العلماء بدراسة وتعريف القيادة كلاً حسب المدخل المستخدم الذي يهتم به فمنهم من عرفها من ناحية التأثير بأنها ذلك الفرد الذي يستطيع التأثير في الآخرين ومنهم من عرفها من الناحية الإدارية بأنه القائد الذي يمكنه إنجاز الأعمال ومنهم من عرفها من الناحية الأسطورية بأنه الفرد الذي يمتلك قوة خارقة ومنهم من عرفها من ناحية الصفات الشخصية بأنه القائد الذي يتمتع بصفات شخصية تميزه عن غيره وتجعله مؤثراً في الآخرين وعرفت أيضاً بأنها القدرة على أقناع الآخرين بأن يعملوا بحماسة ومثابرة على تحقيق الأهداف المحددة للجماعة ومن ذلك كله يمكن تعريف القيادة بشكل عام كما يلي :-
القيادة : هي القدرة على التأثير في الآخرين .
والقدرة : تعني السلوك الفردي للقائد مثل شخصيته وتعلمه وتعني مركز القائد وسلطته إلي غير ذلك من هذه العوامل التي يستمد منها القائد قدرته .
والتأثير : يتم من خلال اتصال الشخص الذي يتمتع بصفات معينه تجعله قادراً على ممارسة هذا التأثير بفاعلية .
والآخرين : هم المرؤوسين في العمل أو الأصدقاء أو الأسرة أو أعضاء في جماعة .
من التعريفات يتضح بأن الجماعة والاتصال عاملين هامين جداً في ظاهرة القيادة فلا يوجد قائد بدون جماعة أو لديه جماعة غير قادر على الاتصال بها بأي شكل من أشكال الاتصال المباشر أو الغير مباشر أو توجد جماعة بدون قائد سواء أكان قائد رسمي بموجب قوة القانون أو الشرعية أو قائد غير رسمي وهو الذي تدور في فلكه المجموعة والمحرك الأساسي لها والذي ليس لديه سلطة على المجموعة إلا بما يملكه من صفات وسيمات يتصف بها تؤثر في أفراد المجموعة .
والقائد في المنظمات : عادتً ما يتم فرضه على العاملين حسب الهيكل التنظيمي الرسمي أي بمعنى العاملين لا يختارون مديرهم (قائدهم) ومن المعروف أنه يوجد في المنظمة الواحدة هيكل تنظيمي رسمي وهيكل تنظيمي غير رسمي وهذا يؤدي إلي وجود قائد رسمي وأخر قائد غير رسمي لجماعة عمل واحدة .
القيادة ـ الجماعة ـ الاتصال : هذه العناصر أو المواضيع الثلاثة متداخلة مع بعضها البعض وتربطهم علاقة وثيقة ومركبة ومعقدة ولا يمكن فصلهم عن بعضهم البعض إلا أنه ولتسهيل دراستهم وفهمهم تم تشريحهم وفصلهم، وقد أكد أساتذتنا وعلمائنا الأفاضل على أن ظاهرة القيادة ظاهرة غامضة ومعقدة ومهمة في حياة المنظمات مما أثار اهتمام العلماء والباحثين وقد قام العلماء بدراسة العلوم القديمة مثل علم الاجتماع للاستفادة منها في هذا المجال ونتج عن ذلك عدة دراسات ونظريات مختلفة وأخذت هذه الدراسات في بادئ الأمر ثلاثة أبعاد أو محاور أنصبت عليها جل دراسة ظاهرة القيادة هذه المحاور هي :-
1. شخصية القائد (صفاته)
|
2. سلوك القائد
|
3. سلوك المرؤوسين (الجماعة)
|
هذه المحاور الثلاث هي ما أصطلح عليه في علم السلوك التنظيمي بالمدرسة التقليدية ومع استمرار الدراسات والبحوث ظهر محور جديد لظاهرة القيادة يهتم بدراسة الموقف القيادي وهو ما أصطلح عليه بالمدرسة الحديثة، ويمكن القول بأنه هناك قصور جزئي في الدراسات والنظريات التي تفسر ظاهرة القيادة إلا أنها قدمت تفسيراً معقولاً يمكن تطبيقه والاعتماد عليه في تطوير هذه الدراسات فالقيادة موضوع شيق وشائك ومعقد وهو ما يفسر اختلاف الباحثين الذين يحاولون فهم وتفسير هذه الظاهرة .
ومما لا شك فيه بأن التوجيه هو أحد وظائف المدير الرئيسية والقيادة تلعب دور أساسي في هذه الوظيفة والمدير الذي لا يتحلى بمواصفات قيادية جيدة من الطبيعي أن يفقد هذه الوظيفة ولذلك كان يجب على كل مدير أي كان عمله وأي كان مستواه أن يدرس موضوع القيادة ويفهمه فهماً جيداً إلا أن دراسة موضوع القيادة دون دراسة المواضيع الأخرى المرتبطة بظاهرة القيادة قد يؤدي إلي خلط في المفاهيم لما لهم من علاقة وثيقة ومركبة ومتداخلة حيث لا يمكن فهم ظاهرة القيادة دون دراسة وفهم كلاً من محددات السلوك الفردي (الشخصية والإدراك والدافعية والاتجاهات والتعلم) ومحددات السلوك الجماعي (الجماعة والاتصال).
وأخيراً : لوحظ بأن جميع الدراسات والنظريات أنصبت على كيفية جعل المدير قائداً؟ مما يدعونا للسؤال كيف يستطيع المدير القائد أن يحافظ على قيادته؟ في ظل ظروف شخصية وبيئية مثل "الغرور وطول فترة البقاء على الكرسي والمنافقين .... وغيرها" والتي قد تعرف "بأمراض القيادة"، تصيب المدير القائد بمرض عضال يؤدي به إلي الهاوية، فنحن نفكر مثلاً في آلية تنصيب القائد ولا نفكر في آلية خلع أو عزل القائد أو الحد من غروره وطغيانه... أليس من الغريب تطبيق قانون التقاعد على جميع أفراد الشعب ولا يتم تطبيقه على آخرين مثل الوزراء والمسئولين فتجد وزير أو مسئول يتجاوز عمره 70 أو 75 سنة؟!!... هل يستطيع مثل هذا الرجل مهما كانت موصفاته الخاصة وعبقريته أن يقدم شيءً بعد هذا العمر المتقدم؟... هل يمكن الرجوع للدراسات الطبية لمعرفة حقيقة الدماغ والجسم في مثل هذا العمر؟. لذلك نأمل من علمائنا الأفاضل الاهتمام بمثل هذه المواضيع ودراستها بإمعان لتحديد مواطن الخلل فيها والبحث على أفضل علاج لها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد بن علي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق